السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
305
مفاتيح الأصول
البدل كذلك ثم قال اعترض عليه بجواز وجوب العزم في الثاني لأن العزم بدل عن الفعل في الأول فافتقر إلى غيره وكذا هو يدل عن الفعل في الثاني فافتقر إلى عزم ثان واعترض بأن الأمر اقتضى الفعل مرة واحدة فيكون العزم الواحد كافيا وفيه نظر فإن الفعل وإن وجب مرة واحدة لكن العزم بدل عن تقديمه وهو متعدد بتعدد الزمان ومنها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال لو كان العزم بدلا لم يجز فعله مع القدرة على المبدل كسائر الأبدال مع مبدلاتها ثم قال اعترض بأن المصير إلى أحد المخيرين غير مشروط بالعجز عن الآخر بخلاف الوضوء والتيمم لا يقال التخيير ينافي البدلية لعدم الأولوية لأنا نقول المقدمتان ممنوعتان على أنه لما كان الفعل لا بدّ منه بخلاف العزم تحققت البدلية ومنها ما أشار إليه في النهاية أيضا فإنه قال لو أخر الصّلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم كان عاصيا بترك الأصل وبدله ثم قال واعترض بعدم العصيان لعدم تكليف الغافل وفيه نظر لمنع الغفلة عن الواجب هنا والتحقيق أن الغفلة عن العزم صيّرت الفعل متعيّنا فتركه سبب ذاتي في العصيان أو الغفلة عرضي ومنها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال العزم من أفعال القلوب ولم يعهد في الشرع جعل أفعال القلوب بدلا عن الأفعال ثم قال واعترض بأنه استبعاد محض مع أن التوبة ندم وهي من أفعال القلب جعلت بدلا عما فرط من الأفعال الواجبة حالة الكفر الأصلي ومنها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال العزم واجب على سبيل البدل عنها فإنه يجب العزم على أدائها قبل دخول وقتها مع انتفاء الوجوب حينئذ ثم قال اعترض بمنع وجوب العزم قبل الوقت نعم يقبح كراهة فعلها فأما أن يعزم ويريد فعلها قبل وقت وجوبها فيمنع وجوبه أجيب بأنه إذا وجبت العبادة وجاز تأخيرها فليس يجب عليه إلا ما يجاب عليه قبل دخول وقتها فإن كان في أحدهما العزم فكذا في الآخر وإن كان عدم كراهته فكذا الآخر واعترض بتسليم أن الواجب بعد الوقت كالواجب قبله إما عزم أو عدم كراهة لكن الوجوب قبل الوقت لا يمنع من كونه بدلا بعد الوقت لجواز كون الفعل والعزم بدلا في شيء في وقت دون آخر فلا يمنع من كون العزم بعد دخول الوقت بدلا من العبادة لأجل أنه يجب فعله قبل الوقت ولا يكون بدلا وأما من أثبت بدلا عن العزم فبطل بما تقدم في العزم وتحقيقه أنه كان يجب أن لا يحسن تكليف الصلاة من يعلم الله سبحانه أنه يموت في الوقت لأنه يقوم فعل الله مقام فعله في المصلحة الحاصلة قبل خروج الوقت فلو كلفه الله سبحانه الصلاة لكان إنما كلفه بمجرد الثواب فقط ومنها ما تمسك به بعض على ما حكاه في غاية المأمول وغيره من أنا نقطع بأن من صلى الظهر مثلا في أثناء الوقت كان ممتثلا بما أمر به وليس ذلك إلا لكونه المأتي به صلاة بخصوصها لا لكونها مبدلا عن العزم ولو كان القول بالبدلية صحيحا لكان الامتثال بسبب كونه مبدلا انتهى وهذه الحجة أشار إليها أيضا العضدي فقال قال القاضي إنه يثبت في الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزاء ولو أخل بهما عصى وذلك معنى وجوب أحدهما فثبت الجواب أنا نقطع أن الفاعل للصلاة ممتثل لكونها صلاة بخصوصها لا لكونها أحد الأمرين مبهما انتهى وأجاب عنها في غاية المأمول فقال إن جهة البدلية إنما تكون ملحوظة فيما إذا كان التخيير بين الفعل والعزم ابتدائيا إن كان كل منهما في مرتبة واحدة كخصال الكفارة التي في مرتبة واحدة وليس هنا كذلك فإن الواجب هنا بحسب الأصل إنما هو الصلاة فقط لكن المكلف إذا تركها قبل وقت الضيق يجب عليه العزم على الإتيان بها ثانيا بدلا عنها فالترك في ذلك الجزء سبب لوجوب العزم والعزم تابع مسبب عن ترك الواجب أصالة فما هو إلا كتحصيل الظن بوقوع الواجب كفاية إذا تركه المكلف ولم يأت به فإنه إذا لم يأت بالكفائي يجب عليه تحصيل الظن بوقوعه ليخرج عن عهدة التكليف فكان الشارع قال للمكلف أوجب عليك الصلاة فيما بين الدلوك والغروب وجوبا موسعا إلى وقت الضيق فإذا تركها ولم يأت بها في شيء من أجزاء الوقت قبل الضيق يجب عليك العزم على الإتيان بها فيما بعده كما لو قال له أوجبت عليك الصلاة على الميت لكنك إذا تركتها ولم تأت بها لم تخرج عن عهدة التكليف إلا بتحصيل الظن بوقوعها غايته أنه لا يكون بدلا حقيقة كما في خصال الكفارة فتبقى المناقشة معنا في إطلاق البدلية عليه ولا مشاحة في ذلك والحاصل أنا نقول يجب على المكلف إيقاع الصلاة في أحد أجزاء الوقت فإذا لم يوقعها وجب عليه أن يأتي العزم على الفعل في كل جزء ترك الفعل فيه إلى وقت يتضيق وحينئذ فلا يصح الإتيان بالعزم بل يجب الفعل ولا ندعي أن العزم بدل حقيقة كما في خصال الكفارة وما ذكرتم من ملاحظة البدلية حال الامتثال بالصلاة إنما يتم لو ادعينا البدلية حقيقة وليس كذلك على أنا نقول القطع بالامتثال لا من جهة البدلية لا يوجب عدمها في الواقع فإن المكفر بأحد الخصال ممتثل قطعا لا من جهة البدلية انتهى وقد أشار إلى ما ذكر الفاضل البهائي وجدي الصالح قدس سرهما ومنها ما أشار إليه في غاية المأمول فقال وقد استدل الخصم أيضا على عدم وجوب العزم بدلا بأن العزم على الفعل من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته وينتفي مع انتفائه فهو واجب لذلك لا لكونه بدلا عن الفعل ولهذا كان واجبا قبل الوقت مع انتفاء وجوب الفعل حينئذ حتى أنه لو جوز ترك واجب بعد أربعين سنة كان إثما وهذه الحجة قد ذكرها العضدي في شرح المختصر فقال وأيضا لا نسلم أن الإثم بترك العزم إنما هو لكونه مخيرا بينه وبين الصلاة حتى يكونا كخصال الكفارة بل لأن العزم على كل فعل واجب إجمالا وتفصيلا عند تذكره فهو من أحكام الإيمان